الشيخ محمد رشيد رضا
217
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أو إلى مذهب زيد أو عمرو من علماء الكلام ، وهذا هدم لكتاب اللّه تعالى وسنة رسوله ( ص ) وسيرة المهتدين بهما من خير الون ثم بين تعالى عاقبة هؤلاء المفرقين لدينهم بقوله ( إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ) أي انه عز وجل هو الذي يتولى وحده أمر جزائهم على مفارقة دينهم والتفريق له في الدنيا بما مضت به سنته في الاجتماع البشري من ضعف المتفرقين ، وفشل المتنازعين ، وتسلط الأقوياء عليهم ولبسهم شيعا يذيق بعضهم بأس بعض ، بما تثيره عداوة التفرق بينهم من التقاتل والحروب كما بينه تعالى في آيات أخرى كقوله تعالى ( 2 : 253 وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا ) الخ « 1 » وقوله ( 5 : 15 فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ) « 2 » وقوله ( 6 : 35 قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ) الخ « 3 » وبعد تعذيبهم بأيديهم وأيدي أعدائهم في الدنيا يبعثهم في الآخرة ثم ينبئهم عند الحساب بما كانوا يفعلون في الدنيا من الاختلاف والتفرق بتفريق الدين أو مفارقته اتباعا للأهواء وما يستلزم ذلك ويجازيهم عليه في النار ( تطبيق أو طباق في أسباب افتراق المسلمين وما آل اليه ) لافتراق هذه الأمة في دينها وما تبعه من ضعفها في دنياها أربعة أسباب كلية ( 1 ) السياسة والتنازع على الملك ( 2 ) عصبية الجنس والنسب ( 3 ) عصبية المذاهب في الأصول والفروع ( 4 ) القول في دين اللّه بالرأي ، وهناك سبب خامس قد دخل في كل منها وهو دسائس أعداء هذا الدين وكيدهم له ، فالقول في الدين بالرأي أصل لما ذكر قبله وليس له حد يقف عنده ، وآراء الناس تختلف باختلاف الزمان والمكان ، وشؤون المعيشة وأحوال الاجتماع . والدين في عقائده وعباداته وفضائله وحلاله وحرامه وضع إلهي موحى من اللّه تعالى ، ومن فوائده المدنية جمع قلوب الافراد والشعوب الكثيرة بأقوى الروابط وأوثق العرى الثابتة والرأي يفرقها إذ قلما يتفق شخصان مستقلان فيه ، فأنى تتفق الألوف الكثيرة من الشعوب الكثيرة في الأزمنة المختلفة ؟ واجتماع الكثيرين بالتقليد يستلزم تفرقا
--> ( 1 ) يراجع تفسيرها في ص 7 ج 3 تفسير ( 2 ) يراجع في ص 287 ج 6 تفسير ( 3 ) يراجع تفسيرها في 489 - 500 ج 7 تفسير